السبت , يوليو 2 2022

عن روسيا في عالم ما بعد النفط

في عالم افترض الكثيرون أنه دخل في مرحلة اتفاقيات الحد من انتشار الأسلحة النووية تمهيداً لنزعها، نرى وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو يفاتح العالم بخطط روسيا لتعزيز حضورها الإستراتيجي من خلال الدفع ببرنامج ما سماه بالثالوث النووي قُدماً. يبدو أن روسيا الشيوعية السابقة التي غادرت ثالوثها الأرثوذكسي لم تغادر تماماً منطق الثالوث وهي أفرغته فقط من مضمونه اللاهوتي. الثالوث الحالي تموضع على سيبة من الصواريخ البالستية والغواصات النووية والقاذفات الإستراتيجية. العارفون لا يفوتهم ملاحظة أن منطق «الضربة الثانية» الكارثي لا يزال يسكن في العقل الروسي، ومما لا شك فيه أن في جعبة الروس الكثير من الحجج والمبرارات للاحتفاظ بعقليتهم التي تنتمي لعالم خيّل للكثيرين أننا غادرناه في اللحظة التي افتتح فيها «ماكدونالدز» مطعمه الأول للوجبات السريعة في ساحة بوشكين في موسكو عام 1990.لاحقاً، كان وزير الخارجية الروسية يكرر احتجاجه على خطط نشر الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية قائلاً إن مبراراته قد انتفت بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران. الصمت على الجهة المقابلة لم يؤكد إلا المؤكد، وهو أن روسيا لا إيران هي الهدف الأساس للدرع الصاروخية. هذا الاحتجاج الروسي لم يكن إلا لملء فراغ بين قوسين فتحاً لمؤرخي عالم ما بعد الحرب الباردة، مؤرخين يحرص الروس على أن يزودوهم بسردية أقل هزالاً وأكثر اتساقاً من تلك التي زودهم بها حلف «الناتو» سابقاً.

لا أوهام في روسيا حيال العداء الغربي لها، هي تعلم تماماً أنه لا سبيل أمامها إلا ان تكون قوية، فروسيا شرط أوراسيا التي لا يستطيع ان يتعايش معها «العم سام» وهي كل ما تحتاجه أوروبا الغربية لتكون عملاقاً ينزع عن الأخ الأكبر لحلف «الناتو» شرعية إطلاق الجهات على القارات. روسيا إذاً محكومة أن لا تكون قوية كفاية لتسلخ عن الولايات المتحدة الأميركية ضفتها الأطلسية ومحكومة في الوقت نفسه أن لا تكون ضعيفة كفاية بحيث تنجح في تشكيل كابوس يجب أن يؤرّق أوروبا لتتمرغ في حضن الولايات المتحدة، بِوَصّلة حنان أبوي مزمن. لا أوهام في روسيا، ربما قليل من الأورام حيال قدرتها على التصدي للمخططات.

أفل العام الماضي على ثنائية غريبة تمثلت في شعبية جارفة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين مترافقة مع متاعب اقتصادية هائلة للاقتصاد الروسي، لم يعان مثلها حتى خلال الأزمة المالية العالمية في العام 2008. يعتبر الاقتصاد الروسي من الضحايا الأكثر بؤساً لتهاوي أسعار النفط من مئة دولار في اوائل 2014 إلى ما دون 40 دولاراً حتى نهاية العام الماضي، خصوصاً أن صادرات النفط والغاز تشكل نصف الميزانية الروسية، ولكن الإجراءات الأقتصادية التي تم اعتمادها ساعدت على تخفيف وطأة صدمة انهيار أسعار النفط وأهمها تحرير سعر صرف الروبل الذي يواصل خسارة نسب معتبرة من قيمته. يضاف إلى ذلك استخدام البنك المركزي الاحتياطات النقدية عالية السيولة والتي تم تجميعها في الفترة الماضية، ويبدو الآن أن قرار الحكومة السابق بالامتناع عن ضخ هذه الرساميل في الاقتصاد الروسي كان حكيما بعكس نصائح الكثير من الخبراء الذين نصحوا آنذاك بضخ الأموال في الاقتصاد لتكبير حجمه. ويقدر الخبراء بأن الحكومة الروسية تملك الآن حوالي 70 مليار دولار، وهي استخدمت حوالي 20 ملياراً خلال العام الماضي، للمساعدة على تخطي الأزمة.

يشكل قرار منظمة الدول المنتجة للنفط «أوبك» الأخير بزيادة الإنتاج بدلاً من تقليصه، وهو ما كان متوقعاً من الخبراء، مؤشراً إضافياً إلى ان الجميع يجب أن يعتاد أسعار النفط الحالية وأن يتوقع ربما تهاويها الإضافي إلى عتبة الثلاثين دولاراً. ومن زاوية أخرى، يعتبر قرار الأوبك بمثابة إضفاء للشرعية على الأسعار الحالية بحيث تمنع عنها صفة المؤقتة وتمنح الدول المستهلكة للنفط وعلى رأسها الصين والهند هامشاً مالياً ضرورياً لتنفيذ إصلاحات ملحة، وبنى تحتية كانت مستحيلة في السنوات الماضية. ونظرا إلى افتقار الهند الديموقراطية للاستقرار في القرار السياسي، تعتبر الصين المستفيد الأهم من الوضع الحالي. وعند الأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن الصين هي المنافس الإستراتيجي المستجد للولايات المتحدة الاميركية، يتبين أن قرار خفض أسعار النفط ليس مجانياً بالمطلق. هذا مع افتراض أن انهيار الأسعار يصدر عن قرار.

ومن المفيد ملاحظة أن دينامية تهاوي أسعار النفط الحالية لا تسبح في فراغ إرادوي بل يرافقها سلسلة عقوبات أميركية وأوروبية على روسيا متصلة بالأزمة في أوكرانيا مما يحفز صانع القرار الروسي على النظر إلى العقوبات وأسعار النفط بوصفهما نوتات متسقة تعزفها أوركسترا واحدة. ولكن لدى استطلاع آراء أكثر الخبراء رصانة تجد أنهم منقسمون حيال ذلك، ويبدو أن أسعار النفط الحالية لا تصدر عن سبب منفرد، وهي تمتد من التباطؤ الاقتصادي في دول الاتحاد الأوروبي إلى الاكتشافات النفطية في غير بلد، إلى حقول النفط الصخري المستجدة، وصولا إلى الرغبة في جعل مشاريع الطاقة البديلة والمحركات الكهربائية غير ذات جدوى اقتصادية، يترافق كل ما سبق حتماً مع عدم حماسة غربية للتدخل لمصلحة أسعار أعلى للنفط.

نجح الاقتصاد الروسي في تمرير الأزمة خلال العام الماضي ومن المرجح أنه سينجح في ذلك أيضاً خلال العام الحالي ولكن بكلفة إضافية تتمثل في المزيد من الاستنزاف للاحتياطات النقدية واتخاذ إجراءات تقشفية إضافية لا يبدو أنها ستقتصر فقط على تحرير سعر صرف الروبل وتحميل المواطن الروسي كلفة تضخم قياسية. وعلى افتراض أن الاقتصاد الروسي يتعرض لهجوم غربي منظم، لا بد من توقع هدفٍ سياسي من ذلك. ماذا عن قدرة روسيا على مواصلة حضورها العسكري في سوريا؟ من المرجح أن لا يواجه الروس صعوبات اقتصادية جدية من جراء ذلك بسبب الكلفة المتواضعة للنشاط العسكري الروسي في سوريا ولكن على المدى البعيد، من المتوقع أن يتسبب السجل الاقتصادي للحكومة الروسية الحالية بتآكل نسب التأييد المرتفعة لسياسات الرئيس بوتين في الداخل والخارج ما يساهم في تعقيد سبله في إقناع الرأي العام الروسي بسياساته الخارجية. لن يواجه فريق الرئيس بوتين صعوبة في تسويق تدخـــله العسكري في سوريا خلال العام الحالي. في النهاية نحن نشهد ربما محـــاولة تكرار من نوع ما لسيناريو الفصل الأخير للحرب الباردة حـــيث خســـر الاتحاد السوفياتي معركـته مع الغرب بالنقاط الاقتصادية.

شاهد أيضاً

الرئيس الأذربيجاني: اجندتنا ومبادراتنا للسلام تستهدف انشاء فرص جديدة للتنمية الإقليمية

زوايا – باكو، 29 أبريل (أذرتاج)أفادت وكالة أذرتاج ان هذه الكلمات قالها الرئيس الاذربيجاني إلهام ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *