الجمعة , مايو 20 2022

جيلٌ جديد يتزعم اليمين في أسبانيا

اسأل اي معلق او سياسي في اسبانيا عن السبب وراء نجاة اسبانيا من موجة اليمين الشعبوية التي تجتاح اوروبا، وتأتيك الاجابات فوراً ومباشرة بأن الاسبان يبدون تعاطفاً تجاه الاجانب الذين وفدوا خلال الهجرة الجماعية ابان الستينات، وقد كان من السهل نسبياً دمج من وصلوا من اميركا اللاتينية ويتحدثون اللغة الاسبانية ويعتنقون المسيحية.ان ذكرى النظام الفاشي تحت حكم فرانشيسكو فرانكو جعلت البلاد تعتاد على التطرف، غير ان هذه الفكرة الشائعة قد لا تتمكن من الصمود والاستمرار خلال العام المقبل.

وبالرغم من انه لم يتمكن اي حزب يميني متطرف من الحصول على مقعد واحد في البرلمان الوطني او أي مجلس من المجالس الاقليمية البالغ عددها 17 مجلساً خلال العقود الثلاثة الماضية، فان اسبانيا تبدو الآن أنها يمكن ان تتحول الى ارض خصبة لنمو الافكار اليمينية الشعبوية مثل اي بلد آخر من البلدان الاوروبية.

كما يبدو انها فقط في انتظار بروز قائد لديه كاريزما يقوم بهز النظام الراسخ، ويقول روفيرا الاستاذ في جامعة دييغو بورتاليس في تشيلي «ان الاسبان ليسوا اكثر او اقل تطرفاً من المواطنين في الدول الاوروبية الاخرى».

وبالنسبة للاسبان فإن المشاعر المعادية للمهاجرين كانت قد هبطت الى مرتبة متدنية ضمن قائمة اهم هواجسهم.

ولكنها بدأت في الارتفاع قبل حوالي عشر سنوات مضت. ففي عام 2006 كان الاسبان يشعرون بأن الاجانب الذين يمثلون نسبة تبلغ حوالي 12 في المئة من تعداد السكان في ذلك الوقت يشكلون اكبر مشكلة تواجهها البلاد، وجاءت بعدها الازمة الاقتصادية وفضائح الرشوة ضمن الاحزاب السياسية الرئيسية وبات المواطنون الاسبان العاديون مشغولين بقضيتي البطالة والفساد، وقد تزايدت المشاعر المعادية للمؤسسة الحاكمة نتيجة ذلك. ولكن ذلك لا يعني انه لا توجد حاجة الى حزب يميني متطرف في اسبانيا. ففي العشرين من يونيو من هذا العام ذهب ناشطون من حزب يميني متطرف الى جبل طارق لرفع علم اسباني كبير على صخرة جبل طارق، وذلك في محاولة لحشد القوميين الاسبان حول الحزب، غير ان تلك المحاولة واجهت الفشل. ونسبة الاصوات التي حصل عليها الحزب بلغت 244 الف صوت خلال الانتخابات العامة الاسبانية التي اجريت في ديسمبر عام 2015، الا انها انخفضت الى 58 الف صوت في الانتخابات المعادة بعد ستة اشهر من ذلك اي بعد العملية الاستعراضية التي جرت في جبل طارق.
الحنين إلى عهد فرانكو

احزاب اليمين المتطرف الاسبانية المتشظية مدفوعة بصورة رئيسية بالحنين الى عهد فرانكو، وهي تشكل الصورة النمطية لتلك الاحزاب، اي وجود عدة آلاف من المتطرفين المشغولين بالجدل وهم يتجمعون لاحياء ذكرى الديكتاتور رافعين اعلام فرانكو، ويرفعون ايديهم بالتحية النازية ويرددون نشيد الحزب الفاشي الاسباني. لقد حاول عدد قليل منهم اعادة صياغة لتنظيمهم على نمط حزب مارين لوبان الجبهة الوطنية في فرنسا، وحزب غيرت فيلدرز، الحزب من اجل الحرية في هولندا، الذي حاول ازاحة الصورة النمطية للفاشية، وتوسيع قدراته على جذب مؤيدين له عن طريق تخفيف التركيز على الميول النازية وزيادته على الميل الى رفض المهاجرين، وبصفة خاصة المسلمين منهم. بيد ان هناك الآن مؤشرات تدل على ان اليمين المتطرف الاسباني بات يصل الى تلك المرحلة.

ويبرز ضمن هذه الظروف سانتيغاغو اباسكال زعيم حزب فوكس، الذي امضى خمس سنوات عضوا في احد المجالس الاقليمية عن الحزب الشعبي المحافظ، الذي ينتقد الميل السائد في اوساط احزاب اليمين المتطرفة الاسبانية الى «التركيز فقط على الماضي». وقد تأسس حزب فوكس عام 2014، وحاول في البداية استمالة القوى المحافظة التي تشعر بالاستياء وناخبي الحزب الكاثوليكي من خلال التقدم باقتراح مضاد لعمليات الاجهاض، وادخال تخفيضات جذرية في الضرائب، كما اتخذ موقفاً صارما تجاه حركتي الكاتالان والباسك الانفصاليين، كما دعا الى إجراء إصلاحات دستورية تزيل سلطات الحكم الذاتي التي تتمتع بهما تلك المنطقتان حاليا.

وقد بدأ اباسكال بعد عامين لم يشهدا أي نجاح، والفشل في الانتخابات مرتين، في فحص تجربة حزب الجبهة الوطنية لاستلهامهما. واجتمع في نوفمبر الماضي مع لويس اليوت الرجل الثاني في ذلك الحزب الفرنسي وبات بعدها يزيد من تشديد لهجته المعادية للمهاجرين. وقد جاء للحزب في لقاء أجرته معه صحيفة «بوليتيكو» في المقر الرئيسي للحزب في مدريد قوله «لا يوجد بكل بساطة أي مجال للجميع».

واباسكال ليس وحده من لاحظ وجود فجوة ومجال في ساحة السوق السياسي. فهناك جماعة بيت مدريد الاجتماعي التي تستوحى من فترة الفجر الذهبي في اليونان. وقد لفتت إليها الأنظار عن طريق احتلال المباني العامة، وتنظيم مطبخ عام لتقديم الوجبات التي تقدم لـ«الاسبان فقط». وهي تدعو الى إقامة نظام رعاية اجتماعية وطني معاد للمهاجرين والليبرالية. ويرفض العديدون أخذ جماعة بيت مدريد الاجتماعي مأخذا جادا، بما أنها تضم 150 عضوا فقط كما أنها غير مسجلة كجمعية ولم تخض البتة أية انتخابات. بيد أن هذا الأمر لم يمنع زعيمتهم الشابة اللامعة في أجهزة الاعلام ليسا دومينغوز من لفت عناوين الصحف لنشاطها، حيث تحوّلت الى الوجه الحديث لليمين المتطرف في اسبانيا.
هيمنة الحزب الحاكم

وتقول دومينغوز التي كانت تتحدث من بيت مدريد الفخم الذي احتلته الجماعة بصورة غير شرعية وحولته الى مقر رئيس لها، «إننا الآن في مرحلة نقوم فيها بصياغة النسيج الاجتماعي». وجاء ذلك اللقاء بعد اشرافها على توزيع الطعام لحوالي سبعين شخصا. واضافت انها ترى أن هناك دورا أكبر يمكن ان تقوم به حركات اليمين المتطرف في الساحة السياسية الاسبانية.

وإذا قيض لهذا الأمر ان يحدث، فان على اليمين ليس فقط التغلب على جوانب القصور في برامجهم واستراتيجياتهم وانهاء الخلافات الداخلية، بل ان عليهم أيضاً مواجهة العامل الأكبر الذي يقيد نموهم وتطورهم أي الحزب الشعبي الحاكم وهيمنته التامة على الوضع في أوساط اليمين الأسباني، وتشير التقديرات الى ان أكثر من 80 في المئة ممن يصفون أنفسهم بانهم من أنصار اليمين المتطرف منحوا أصواتهم لذلك الحزب في عمليتي الانتخابات العامة الأخيرتين، والحزب الشعبي لديه ارتباطات بماضي اسبانيا الفاشي، فمؤسس الحزب مانويل فارغا كان يتولى منصباً وزارياً في عهد فرانكو، كما ان العديد من الأعضاء من القادة القدامى للحزب ينتمون الى ذلك العهد، ولكننا نجد الآن ان الحزب يشبه كثيراً أحزاب التيار العام اليميني في أوروبا مما يعرضه لمواجهة خطر تحدي الأجنحة اليمينية الشعبوية له.

ويرى الخبراء ان نجاح الحزب الشعبي يعزى الى حفاظه على دعم المتطرفين، بينما يقوم بالترويج لسياسات معتدلة موجهة للهويات الوطنية المختلفة في اسبانيا، مما سمح للحزب استمالة المؤيدين للوحدة الوطنية.

وعلى خلاف من منافسيه في حزب العمال الاشتراكي الاسباني، ظل الحزب الشعبي قادرا على الفوز في الانتخابات العامة أكثر من مرة وبدعم قليل من مقاطعتي كاتالونيا والباسك، وذلك يسمح للمتطرفين اتخاذ مواقف تغضب الكتالانيين والباسك، بينما يمنحهم ميزة في أوساط الناخبين في وسط اسبانيا، فالوحدة الوطنية تعد قضية مهمة بالنسبة لناخبي اليمين المتطرف مثلها مثل السياسات الخاصة بالهجرة، حيث ان الاشتراكيين يعتبرون ان لديهم ميلا أكثر للتوصل الى حلول وسط مع الانفصاليين.

وهناك أيضاً ظاهرة خاصة في الساحة السياسية الاسبانية، وهي ان قضية الانفصاليين لم تنتج أمثلة ناجحة لأحزاب يمينية اقليمية متطرفة مثل حزب الرابطة الشمالية في ايطاليا أو حزب فلامز بيلانغ في بلجيكا، وذلك لأسباب تعود الى ان نظام فرانكو كان يعارض بشدة أى حكم ذاتي اقليمي مهما كان نوعه.

والقوى التي تتبنى قضية الهوية الكاتلانية والباسكية يتراوح انتماؤها فيما بين يمين الوسط الى اليسار الراديكالي، ويشير سانتيغاغو اباسكال زعيم حزب فوكس اليميني المتطرف الى عامل آخر يقول انه ساعد الحزب الشعبي في الحفاظ على احتكاره لموقع اليمين، على الرغم من قضايا الفساد المرفوعة ضد الحزب التي أغضبت العديد من المؤيدين، وهو ميلاد حزب بوديموس اليساري المتطرف في عام 2014 وصعوده السريع، وقد احرز هذا الحزب المرتبة الأولى بعد استطلاعات الرأي العام في البلاد ولكنه جاء في المرتبة الثالثة في آخر انتخابات عامة.

جريدة زوايا

شاهد أيضاً

الرئيس إلهام علييف : مجموعة منسك أسست لتخليد الاحتلال وليس لمعالجة النزاع

زوايا – شوشا، أذرتاج – قال رئيس جمهورية اذربيجان إلهام علييف في كلمة ألقاها في ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *